الحوار الوطني بين حساب المقاعد ورهان الشمولية

حين تضيق دائرة التمثيل، تتسع أسئلة الثقةلم يكن الحوار السياسي في موريتانيا مجرد موعد عابر في أجندة السلطة والمعارضة، بل ظل، في نظر كثيرين، فرصة لمعالجة الاختلالات المتراكمة، وإعادة بناء الثقة بين الفاعلين السياسيين، وفتح صفحة جديدة يكون فيها الوطن أوسع من الحسابات الحزبية، والمصلحة العامة أسبق من اعتبارات الاصطفاف.
غير أن الإعلان الأخير عن ممثلي أحزاب الأغلبية في لجنة الإشراف على الحوار، وما رافقه من اعتراضات داخل مكونات الأغلبية نفسها، أعاد إلى الواجهة سؤالا جوهريا: هل يكفي الاحتكام إلى الأوزان الانتخابية لتأمين تمثيل سياسي قادر على احتضان حوار وطني جامع؟
لقد استندت المنسقية إلى عدد النواب والمستشارين البلديين في توزيع مقاعدها، وهي معايير يمكن فهمها من زاوية التمثيل الانتخابي. لكن السياسة ليست أرقاما مجردة، والحوار الوطني ليس جلسة لتوزيع المقاعد فحسب؛ إنه مساحة للإنصات، وفرصة لتقريب المسافات، واختبار حقيقي لقدرة الفرقاء على تجاوز خلافاتهم، ولعل ما أثار الانتباه في التشكيلة الأخيرة هو غياب أسماء كانت حاضرة في مرحلة سابقة من التحضير، من بينها صالح ولد حننا، ومحمد جميل ولد منصور، والشيخ عثمان الشيخ أحمد أبو المعالي. وقد بلغ الخلاف مداه بإعلان جبهة المواطنة والعدالة تجميد صلتها بائتلاف الأغلبية، احتجاجا على آلية الاختيار وما اعتبرته غيابا للتشاور والتوافق
وهنا لا يتعلق الأمر بالأسماء وحدها، ولا بالاعتراض على حق الأغلبية في تنظيم تمثيلها، بل بالسؤال عن مدى قدرة المنهج المتبع على استيعاب مختلف مكوناتها، وصيانة الثقة بينها، وتقديم صورة منسجمة عن حوار يُفترض أن يكون مدخلا إلى التوافق الوطني.
ثم إن الحوار، إذا أريد له أن يتجاوز حدود الترتيبات الإجرائية، فلا ينبغي أن ينحصر في منطق المقاعد والأوزان وحده. فهناك خبرات سياسية تراكمت عبر عقود، وشخصيات ساهمت في تشكيل تاريخ البلاد السياسي، من أمثال أحمد ولد داداه ومسعود ولد بلخير ومحمد ولد مولود، وهناك أيضا أجيال شابة تتطلع إلى أن تجد لنفسها موقعا في صناعة القرار، لا أن تظل متفرجة على مشهد يتداول فيه الكبار شؤون المستقبل من دون حضور كاف لمن سيحملون أعباءه.
ولا يعني ذلك أن الخبرة التاريخية تمنح أصحابها حقا حصريا في المشاركة، أو أن الشباب ينبغي أن يحضروا لمجرد استكمال صورة شكلية؛ وإنما يعني أن الحوار الجاد يحتاج إلى توازن بين التجربة والتجديد، وبين الشرعية الانتخابية والقدرة على التعبير عن تعددية المجتمع وتطلعاته.
إن استبعاد حزب من لجنة الأغلبية لا يعني بالضرورة إقصاءه من الحوار الوطني كله، كما أن غياب شخصية عن لجنة الإشراف لا يمحو تاريخها ولا يلغي دورها. لكن الخطر يبدأ حين تتسع الفجوة بين الشعارات المعلنة والممارسة، وحين يشعر بعض الفرقاء بأن قواعد المشاركة وضعت من دونهم، أو أن التشاور لم يكن كافيا لتبديد مخاوفهم.
إن الحوار الذي يحتاجه البلد ليس حوارا لتسجيل الحضور، ولا مناسبة لتكريس موازين القوى القائمة، بل فرصة لمراجعة التجربة الوطنية، ومناقشة قضايا الحكم والإصلاح والعدالة الاجتماعية والوحدة الوطنية، والاتفاق على قواعد مشتركة تحمي الاستقرار وتفتح آفاق المستقبل.
ولذلك، فإن استكمال لجنة الإشراف لا ينبغي أن يكون نهاية النقاش، بل بداية مراجعة هادئة لآليات التمثيل والتشاور، بما يضمن مشاركة سياسية أوسع، وحضورا أكثر وضوحا للشباب، ومساحة تليق بالخبرات الوطنية، من دون إخلال بالمعايير الانتخابية أو بحق أي طرف في تنظيم صفوفه.
فالحوار لا تقاس جديته بعدد الأسماء التي تتصدر قائمته، بل بقدرته على استيعاب الاختلاف، وبمدى استعداد أطرافه للاستماع إلى بعضها بعضا، وبما يتركه من أثر في حياة المواطنين.
إن الوطن لا يحتاج إلى حوار يتفق فيه الجميع على الجلوس حول الطاولة فحسب، بل إلى حوار يشعر فيه الجميع بأن لهم مكانا على الطاولة، وصوتا مسموعا في النقاش، ونصيبا من المسؤولية عن المستقبل.
سيدي محمد ولد دباد
16/10/2026




