مقالات

الحسين ولد مدو.. شهادة حق لا تمليها المصلحة

لم تجمعن بالوزير الحسين ولد مدو إلا مناسبة واحدة، قبل سنوات عديدة من تعيينه على رأس السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية، وكان اللقاء عابرا في منزل أحد الإخوة. غير أن بعض اللقاءات، وإن قصرت مدتها، تترك في النفس أثرا لا تمحوه الأيام، وتختصر من الود والمعرفة ما لا تختزله سنوات من المجالس واللقاءات.

 

في تلك الليلة، امتد بنا السمر ساعات طوالا، لكنها مرت كأنها لحظات خاطفة، لما وجدناه في ذلك الشاب الأريب الأديب من عذوبة الحديث، ورشاقة العبارة، وسعة الثقافة، وحسن الإصغاء، وخفة الروح. كان مجلسه يجمع بين متعة الأدب وفائدة المعرفة، وبين وقار المثقف وعفوية الإنسان المتواضع، وهي خصال قلما تجتمع بهذا الانسجام.

 

ومنذ ذلك اللقاء، لم يتجدد بيننا التواصل، ولم ألتق الرجل بعده، رغم أن أحد الإخوة، وهو من جيل الكبار، سعى مشكورا إلى ترتيب موعد لي معه العام الماضي. وبعد انتظار طويل، أبلغني أحد معاونيه أن الموعد ألغي بسبب مهمة طارئة، ولم أسع بعد ذلك إلى تجديده، ولم أجد في نفسي حاجة إلى الإلحاح في أمر انقضى. وهذا، بكل بساطة، هو مجمل ما يربطني بالرجل؛ لا مصلحة شخصية، ولا علاقة خاصة، ولا حسابات تنتظر مقابلا.

 

لكن انتهاء مهمته الوزارية يتيح لي اليوم أن أقول كلمة حق، بعيدا عن المجاملة التي تفرضها المناصب، أو المديح الذي يكثر عند الاقتراب من مواقع النفوذ، ثم يخفت أو يتوارى حين يغادر أصحابها كراسي المسؤولية.

 

إن الحسين ولد مدو يتمتع بفتوة أدبية وثقافية قل نظيرها؛ فهو يجمع بين فصاحة اللسان، ورحابة الثقافة، ولباقة الحديث، والتواضع في التعامل. وهي صفات لا تصنعها المناصب، ولا تمنحها الألقاب، وإنما تتكون في الإنسان عبر مسار من القراءة والتجربة وحسن التربية، حتى تصبح جزءا من شخصيته وملامح حضوره.

 

ولم تكن هذه الخصال مجرد انطباع عابر تركه لقاء قديم، بل إن للرجل رصيدا مهنيا يستحق التنويه والإنصاف. فقد قدم للحقل الإعلامي الكثير خلال رئاسته لنقابة الصحفيين، وأسهم في خدمة الصحفيين والدفاع عن قضاياهم، ثم واصل اهتمامه بهذا الحقل من موقع المسؤولية، حيث وقف إلى جانب ترسيم الصحفيين، في خطوة تمثل أهمية بالغة في مسار الاعتراف بحقوق العاملين في المهنة، وتعزيز مكانتهم المهنية والاجتماعية.

 

وليس من الإنصاف أن تختزل تجربة رجل في موقع شغله، أو أن تقاس قيمته بمدة بقائه في منصب، فالمناصب عابرة، أما ما يتركه الإنسان من أثر طيب في النفوس، وما يقدمه من خدمة لوطنه ومجتمعه، فهو الباقي في ميزان التقدير.

 

ولعل أجمل ما في شهادة الحق أن تصدر ممن لا ينتظر من ورائها مكافأة، ولا يرجو بها منفعة، ولا تجمعه بصاحبها مصلحة آنية. فحين يتحدث المرء عن شخص لا تربطه به صلات مستمرة، ولا تفرض عليه المجاملة في حقه، تكون شهادته أقرب إلى التجرد والإنصاف.

 

لهذا أكتب عن الحسين ولد مدو اليوم، لا لأنني من خاصته، ولا لأن بيني وبينه علاقة تتجاوز ذلك اللقاء العابر، وإنما لأن الإنصاف فضيلة، ولأن الاعتراف بالجميل ليس حكرا على الأصدقاء والمقربين، ولأن من حق كل صاحب تجربة تستحق التقدير أن ينال نصيبه من كلمة طيبة، حتى ممن لم تجمعهم به إلا لحظات قليلة.

 

قد تختلف الآراء في تقييم المسؤولين وتجاربهم، وهذا أمر طبيعي في الحياة العامة، لكن الاختلاف لا ينبغي أن يحجب ما يستحق الإشادة، ولا أن يجعلنا نبخل بكلمة صادقة في حق من نرى أنه قدم جهدا يستحق الذكر.

 

تحية تقدير للحسين ولد مدو، الأديب المثقف، والإعلامي الذي عرف الحقل من داخله، والمسؤول الذي يستحق أن تقرأ تجربته بعين الإنصاف، بعيدا عن ضجيج المناصب وتقلبات المواقف.

 

فما أجمل أن يغادر الإنسان منصبه، ويبقى له من الذكر الطيب ما يجعل الحديث عنه شهادة تقدير، لا واجب مجاملة؛ وما أجمل أن تبقى الكلمة الحرة وفية للحقيقة، تنصف من يستحق الإنصاف، وتقول للمحسن أحسنت، دون انتظار جزاء أو شكور.

سيدي محمد ولد دباد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى