قُضي الأمر الذي فيه تستفتيان!

من حقل التأويل إلى قصر القرار.. حين تتحدث السياسة بلغة قاطعة،
بعد ساعات من الترقب، وفي مشهد سياسي ازدحمت فيه التأويلات وتضاربت القراءات، جاء تأكيد رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني ثقته بوزيره الأول المختار ولد اجاي، ليضع حدا لمرحلة من الانتظار، ويفتح الباب أمام قراءات أخرى لما يجري خلف ستار المشهد الرسمي.
ولعل في ذلك ما يستدعيه المقام من إشارات رمزية؛ فليس كل ما يبدو في ظاهر المشهد هو حقيقة ما يدور في باطنه، وليس كل من يقف في واجهة الأحداث هو بالضرورة من يملك مفاتيح خواتيمها. ففي السياسة تتشابك الوقائع، وتختلط النيات، وتطول رحلة التأويل قبل أن تنكشف بعض الحقائق.
لقد أعاد ملف الكهرباء، وما ارتبط به من تقرير وتداعيات، ترتيب أوراق المشهد، وأثار أسئلة عن موازين القوى داخل دوائر القرار. ويبدو أن تأكيد الثقة بالوزير الأول لم يكن مجرد إجراء بروتوكولي عابر، بل رسالة سياسية ذات دلالات، مفادها أن ساعة الحساب لا تعني بالضرورة سقوط من تتجه إليه الأنظار، وأن الثقة حين تصدر من رأس السلطة قد تكون بداية فصل جديد، لا خاتمة فصل سابق.
وفي بعض. القصص عبرة ،فما كل سقوط نهاية للطريق، ولا السجن آخر الحكاية، ولا أبواب القصر مفتوحة لكل من ظن أنه الأقدر على بلوغها. فبين محنة وأخرى كانت تتشكل ملامح النهاية، حتى جاء التأويل الذي بدد الحيرة، وانقلبت موازين المشهد على نحو لم يكن يتوقعه كثيرون.
وهكذا تبدو الساحة السياسية اليوم وكأنها تقف عند مفترق طرق؛ قرار رئاسي يثبت موقعا، وتقرير يثير الأسئلة، وتوقعات بتعديل جزئي قد يعيد رسم بعض ملامح الفريق الحكومي. أما الأنباء المتداولة عن إطاحة سبعة مسؤولين، أو ما يمكن تسميته مجازا بـ«اليابسات السبع»، فتبقى في دائرة التوقعات إلى أن تؤكدها الوقائع الرسمية.
وإذا صحّت هذه الأنباء، فإن التعديل لن يكون مجرد تغيير في الأسماء والمواقع، بل قد يمثل حلقة أولى في مسار أوسع لإعادة ترتيب البيت الداخلي، وتحديد المسؤوليات، وإعادة توزيع الأدوار على ضوء ما أفرزه ملف الكهرباء من تداعيات سياسية وإدارية.
ولعل العبرة الأبرز في هذا المقام أن العاقبة لا تُقرأ من بدايات الأحداث وحدها، وأن من يستعجل الحكم قد تخونه القراءة، كما أن من يخلط بين الأماني والحقائق قد يجد نفسه أسير تأويل لم تصدقه الوقائع.
أما في السياسة، فإن الأيام وحدها كفيلة بكشف ما تخفيه الكواليس، وتحديد ما إذا كان تثبيت الثقة بالوزير الأول مقدمة لتغييرات محدودة، أم عنوانا لمرحلة جديدة من الحسم وإعادة ترتيب مراكز النفوذ.
قُضي الأمر الذي فيه تستفتيان! لكن ما قُضي اليوم قد لا يكون سوى فصل من حكاية لم تكتمل بعد؛ حكاية تتقاطع فيها الثقة والمساءلة، وتتنازع فيها الحسابات، ويبقى فيها القرار الأخير لمن يملك سلطة الحسم.
وإلى أن تتضح الصورة، يظل السؤال معلقا: هل نحن أمام نهاية معركة داخلية، أم أن تثبيت الثقة لم يكن إلا بداية الجولة التالية؟فالسياسة، مثل التأويل، لا تمنح أسرارها دفعة واحدة، وإنما تكشفها الأيام تباعا، حتى إذا اكتمل المشهد عرف الناس أيّ التأويلات كانت أقرب إلى الحقيقة.
سيدي محمد ولد دباد



