
ليست السياسة في بلادنا مجرد تنافس على المواقع أو تداول للأسماء، أو تحلق حول الوجبات،وإنما تحكمها عوامل متشابكة جعلت مسارها في كثير من الأحيان رهينا بحسابات ضيقة، يأتي في مقدمتها تغليب المصلحة الفردية، وغياب الثقة بين الشركاء، وضعف الإحساس بالمسؤولية، وغياب الرؤية ذات البعد الاستراتيجي.
وحين تجتمع هذه العوامل، يصبح العمل السياسي أقرب إلى إدارة اللحظة منه إلى صناعة المستقبل؛ فتتعدد مراكز التأثير، وتتضارب الولاءات، وتستبدل الكفاءة بالترضيات، ويصبح القرب من دوائر القرار أحيانا أهم من القدرة على الإنجاز.
وفي هذا السياق، يبدو أن فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني يجد نفسه أمام جهاز سياسي متشاكس: من جهة علاقته بحزب الإنصاف، ومن جهة أخرى مع قوى الموالاة وشخصياتها، فضلا عن الإشكالات التي تحيط بعلاقته بالمعارضة. وهذه المعادلة، مهما حاولت أن تبدو مستقرة، تظل بحاجة إلى مراجعة عميقة تعيد ترتيب الأولويات على أساس الكفاءة والوفاء والإنجاز، لا على أساس كثرة الأصوات وارتفاع الضجيج.
ولعل مقاطعة گرو تقدم نموذجا مصغرا لهذه الحالة العامة. فهي مقاطعة عرفت رجالا تولوا مسؤوليات سامية، وخرج بعضهم من مواقعهم الوزارية وهم يحملون رصيدا من العمل والصدق والانضباط،.. لا مجرد ألقاب عابرة.
ومن الإنصاف هنا أن نذكر، دون مبالغة أو مجاملة، بعض أبناء المقاطعة الذين خدموا الدولة من مواقع مختلفة، وكان حضورهم في حكومات رئيس الجمهورية، لا يخفى على أحد ، فقد أثبتوا أن المسؤولية يمكن أن تكون خدمة لا غنيمة، وأن المنصب يمكن أن يكون بابا للعطاء لا وسيلة للبحث عن المكاسب…
ولست هنا بصدد القول إن بقاء أي شخص في منصبه حق مكتسب، فالمناصب العامة ليست ملكا لأحد، وإنما المقصود أن المعيار الحقيقي في التعيين والإبقاء والإعفاء ينبغي أن يكون لأجل حصيلة الرجل، وصدقه، وكفاءته، وقدرته على خدمة المشروع الوطني.
إن أخطر ما يهدد السياسة ليس اختلاف السياسيين، فالاختلاف سنة من سنن العمل العام، وإنما أن يتحول بعض السياسيين إلى ما يشبه الفقراء السياسيين؛ لا يملكون مشروعا ولا رؤية، وإنما يعيشون على أبواب النفوذ، ويتنقلون بين المواقع والاصطفافات بحثا عن منفعة شخصية، ويقيسون قربهم من السلطة بما يحصلون عليه من امتيازات، لا بما يقدمون من خدمة.
وهؤلاء لا يقوّون الأنظمة، وإن بدا أنهم أكثر الناس ولاء لها؛ بل إنهم في كثير من الأحيان أول من يضعفها، لأنهم يجعلون الولاء سلعة، والموقف موقفا قابلا للبيع والشراء، ويتركون خلفهم عند كل محطة خصومة جديدة وخيبة جديدة.
أما القوى الحقيقية التي تسند رئيس الجمهورية، فهي تلك التي تجمع بين الوفاء والكفاءة، والصدق والخبرة، والاستقامة والقدرة على الإنجاز. رجال لا يحتاجون كل صباح إلى إعلان ولائهم، لأن أعمالهم تتحدث عنهم، ومواقفهم السابقة تشهد لهم، وحين يتولون مسؤولية يتركون أثرا يستحق أن يبنى عليه.
إن تصحيح البدايات هو بالفعل شرط النهايات. وإذا كان المطلوب الوصول إلى نهاية سياسية ناجحة، فإن البداية لا بد أن تكون بإعادة الاعتبار إلى الكفاءة، وإحياء الثقة بين الشركاء، وإبعاد أصحاب المصالح الضيقة، والاستفادة من الكفاءات التي أثبتت صدقها وتجربتها.
فالدولة لا تبنى بكثرة المصفقين، ولا تستقر بكثرة المتزاحمين على أبواب السلطة؛ وإنما تبنى برجال يعرفون معنى المسؤولية، ويؤمنون بأن المنصب تكليف لا تشريف، وأن خدمة الرئيس الحقيقية ليست في كثرة الكلام حوله، بل في تقوية مشروعه، وتحقيق أهدافه، وحفظ ثقة الناس في مؤسسات الدولة.
ولعل الوقت قد حان لأن ينظر إلى أبناء الوطن من هذه الزاوية: من خدم فأثبت، ومن جُرّب فنجح، ومن تولى مسؤولية فترك وراءه أثرا طيبا، فهو جدير بأن يُستفاد من تجربته، لا أن يركن إلى ركن ما لمجرد أن موازين اللحظة السياسية تغيرت.
فالرئيس لا يبحث عن الكم بقدر ما يبحث عن الكيف: يريد أصدق الرجال وأكثرهم كفاءة وأبعدهم عن الفقر السياسي.
سيدي محمد ولد دباد




