
لا أحد ينكر ولا يجهل ما تتميز به العلاقة الطارفة والتليدة بين تجكانت وأهل الشيخ محمد فاضل، والشرفاء القلاقمة والأدارسة بصفة أعم؛ فهي علاقة ضاربة الجذور في أعماق التاريخ، راسخة الأركان في وجدان الجميع، ولا أحد يفرط في ذلك الإرث التاريخي الذي تأسس على أشرف مبدأ، وهو حب آل البيت وتعزيرهم وتوقيرهم، والاعتراف بمكانتهم وصيانة ما يربطنا بهم من وشائج المودة والتقدير.
ومن هذا المنطلق، يجب أن نفصل بين متانة تلك العلاقة وما قد يقع من اختلالات جانبية أو مواقف عابرة، لا ينبغي أن تتجاوز حجمها الطبيعي، ولا أن تتحول إلى مدخل للمساس بذلك الإرث المشترك. وإن نبه البعض إلى أمر أو عتب على موقف، فعلى المتلقي أن يستوعب ذلك في إطاره الصحيح، باعتباره عتبا مجردا، لا يحمل من المعاني أكثر مما يحتمل، ولا ينبغي أن يُحمّل ما لا يطيق حمله.
ولنحذر من المزايدات، ولنتجنب الشطط والانحراف عن مبدأ الاحترام المتبادل، القائم على أساس الندية وصيانة الكرامة؛ فالعلاقات الراسخة لا تفسدها الملاحظات الصادقة، ولا تنال منها المصارحة المسؤولة، وإنما تضعفها التأويلات المتعسفة، وتؤججها المواقف التي تتجاوز حدود الاعتدال وتنحرف عن مقاصد الإصلاح.
وإن وقع ما يستوجب العتب، فلنفسح له المجال، ولتكن صدورنا رحبة في تقبله، ولنجعل من سعة الصدر عنوانا للرقي، ومن الحكمة سبيلا لتجاوز الهفوات؛ فهذا وحده ما يحفظ لنا تلك العلاقة، ويحصنها من عبث المشاكسين ومزايدات المتربصين، الذين قد يجدون في تضخيم الجزئيات فرصة للنيل من روابط تاريخية أرسى دعائمها الاحترام والمودة، وتعاقبت عليها الأجيال جيلا بعد جيل.
إن تقدير الأمور ومعرفة أحجامها معين على حسن التعامل معها؛ فليس من الحكمة أن نضع العارض في منزلة الثابت، ولا أن نساوي بين هفوة عابرة وإرث ممتد في أعماق التاريخ. وما أحوجنا اليوم إلى استحضار حكمة الأسلاف، واستلهام ما تركوه لنا من قيم التوقير والوفاء، دون أن يعني ذلك التنازل عن الكرامة أو إغلاق باب العتاب والمصارحة.
فالتعاطي مع مجتمع مليوني، منتشر في أصقاع المعمورة، حمل مشعل العلم في الشرق والغرب، ولم ينسه ذلك حمل السيف والذب عن الكرامة، يقتضي قدرا من الفهم العميق لطبيعته وتاريخه وقيمه؛ فهو مجتمع يصعب عليه أن يفهم لغة لا تحمل في أبجديتها الألف واللام والكاف والراء والميم والتاء: أ ل ك ر ا م ة.
فالكرامة ليست نقيضا للمودة، والندية ليست خصومة، والعتب ليس قطيعة؛ بل إن العلاقات التي تقوم على الاحترام المتبادل هي وحدها القادرة على استيعاب الاختلاف، وتجاوز العثرات، ومواصلة المسير بثبات.
إن إرثا بهذا الحجم لا ينبغي أن تهزه هفوة، ولا أن تعبث به مزايدة، ولا أن تنال منه قراءة متعجلة لموقف عابر. فلنحفظ الود، ولنصن الكرامة، ولنجعل من سعة الصدر والحكمة ميزانا لمواقفنا؛ فذلك أوفى للماضي، وأحفظ للحاضر، وأضمن لبقاء هذه العلاقة راسخة في وجدان الأجيال القادمة.
سيدي محمد ولد دباد
01/11/2026




