كان بعض عقلاء المجتمع وحكمائه يملكون من رجاحة الرأي ونفاذ البصيرة ما يجعلهم يرون ما لا يراه غيرهم، ويقرؤون خلف المظاهر ما تخفيه الكلمات والوجوه.
فكان كلما رأى أحدا يتظاهر بالدين والورع، بينما تلوح له من سلوكه مؤشرات أخرى تناقض ذلك، يقول كلمته التي اشتهرت عنه: «القضية قضية أوگيات». وكان يرددها أيضا كلما رأى متملقا يتزين بخلق ليس خلقه، أو صاحب مظهر مزيف تخالفه حقيقة حاله.
واليوم، يبدو أن قضية الصرف في نواكشوط هي الأخرى قضية أوگيات!
فكلما استبشر سكان العاصمة بمشروع صرف صحي ينقذهم من برك المياه، والوحل، وتعطل الطرق، والروائح، ومعاناة موسم الأمطار، عاد السؤال نفسه يطرق الأذهان: أين وصل المشروع؟ ومتى يتحول من حديث ومخططات وأشغال متقطعة إلى واقع يلمسه المواطن في الشارع؟
أين الميزانية التي رصدت لتصريف مياه الأمطار، وقد أعلنت السلطات أن مدة إنجازه التعاقدية تبلغ 45 شهرا. ومع ذلك، فإن استمرار مشاهد المياه المتجمعة في شوارع العاصمة بعد الأمطار يجعل المواطن يتساءل، لا عن أهمية المشروع، وإنما عن وتيرة إنجازه، وعن أسباب التعثر، وعن مدى صرامة الرقابة على المال العام.
وهنا تحديدا تعود إلينا عبارة الرجل: القضية قضية أوگيات.
فالقضية ليست محاكمة مشروع لم يكتمل بعد، ولاهي توزيع اتهامات الفساد جزافا؛ وإنما القضية أن تكون هناك شفافية كاملة في كل أوقية أنفقت، وفي كل مرحلة تأخرت، وفي كل عقد أبرم، وأن يعرف المواطن أين ذهبت أموال المشروع، ومن يتحمل مسؤولية أي تأخير أو تقصير يثبت رسميا.
لأن الصرف الصحي ضرورة من أبسط حقوق المدينة وسكانها. وإذا كان المشروع قد جاء ليضع حدا لمعاناة عمرها عقود، فإن نجاحه ينبغي أن يقاس بما يراه المواطن في الشارع، لا بما يسمعه في المنابر.
لقد ملّت نواكشوط من الحلول الموسمية: مضخات تأتي مع المطر، وشاحنات تشفط المياه، وشوارع تعود إلى حالتها الأولى بعد انقضاء موسم الامطار.
ما تحتاجه العاصمة هو حل جذري، وتنفيذ جاد، ورقابة صارمة، ومحاسبة شفافة عند ثبوت أي اختلال.
فإذا كان المطر يكشف ضعف الشوارع، فإن الشفافية تكشف ضعف الإدارة، وإذا كان الوحل يغطي الطرق، فلا ينبغي أن يغطي أي تأخير أو تقصير أو تبديد للمال العام.
وحينها فقط نفهم المعنى الحقيقي للعبارة :
القضية قضية أوگيات…
أحمد مصطفى أحمد
د محمد أحمد




