الأخبارمقالات

“تسمع بالمعيدي خير من أن تراه.” سيدي محمد ولد دباد

.رحلة إلى قلب الاتحاد الاوروبي: من بتوريا إلى بروكسل

في الأسبوع الماضي، قادتني الأقدار، رفقة زميلي صاحب الأخلاق العالية، إلى زيارة عاصمة الاتحاد الأوروبي، بروكسل. انطلقنا مساء الأربعاء من مدينة “بتوريا” الجميلة في حدود الساعة الخامسة، على متن سيارته الزرقاء، التي يصرّ على تسميتها “خَذره”، كناية عن وفائها ومتانتها.

اعتمدنا كليًا على جهاز الـGPS في إرشادنا، وكان دليلنا الأمين حتى لحظة وصولنا إلى مدينة “أرون” التي تقع على الحدود الإسبانية الفرنسية. هناك، توقّف الجهاز فجأة عن البث، وكأنه اكتفى بالمرافقة في الأراضي الإسبانية! اضطررنا إلى التربص قليلًا، ثم بدأنا نبحث عن الطريق المؤدي إلى باريس.

الغريب أن لا شيء كان يوحي بأننا ننتقل من دولة إلى أخرى؛ لا حواجز، ولا نقاط تفتيش، ولا علامات فارقة، بعكس ما اعتدناه في القارة السمراء. وبينما نحن في حيرتنا قرابة الساعة العاشرة ليلا – والناس هناك يقل مرورهم بعد التاسعة – لمحنا شابين مسرعين، فسألناهما عن الحدود الفرنسية، فأجابانا ببساطة:
“أنتم الآن في فرنسا.”

دهشنا، لا لشيء، إلا لأن المدينة بدت موحدة المعالم بلا أي فاصل أو شقّ بين ضفتيها الإسبانية والفرنسية.

واصلنا السير نبحث عن الطريق إلى “بوردو”، حتى صادفنا رجلا طاعنا في السن، تجاوز الستين، مسرعا بدوره. سألناه، فأشار إلى الإشارة المطلوبة، وكانت قريبة جدًا. دخلنا منها، ومضينا في أرض فرنسا الجميلة، حيث بدا ليل الربيع هناك كلَيل تهامة: لا حرّ ولا قرّ، لا رهبة ولا سآمة.

كانت بتوريا تبعد من بوردو حوالي 500 كلم، فقررنا مواصلة السير. وعند حدود الساعة الثانية بعد منتصف الليل، بلغنا مشارفها. هناك وجدنا محطة وقود كبيرة، ومطعما، ومتجرا، وحافلة بها مغاربة متوجهون إلى “أبروكسل”. سألناهم عن الطريق، فأرشدونا مشكورين، وبِتنا تلك الليلة عند المحطة.

في الصباح، بدأنا الاستعداد لما أسميه “معركة ولوج باريس”، تلك المدينة التي طالما تهيبنا المرور بها. وعند الثانية والنصف زوالا، دخلناها بتركيز شديد، متمسّكين بتعليمات الإشارات. وبعد معاناة مرورية مرهقة، خرجنا منها في حدود الخامسة مساء، وارتحنا قليلاً، ثم واصلنا المسير نحو مدينة “ليل”.

وصلنا “ليل” عند الساعة العاشرة ليلا وكانت بلا منازع أصعب مدينة مررنا بها. قضينا ليلتنا نتيه بين أزقتها، ندخل من هنا ونخرج من هناك، حتى قرابة الخامسة فجرا، حين قررنا أن نستريح في أول محطة نعثر عليها. ولسوء حظنا، أوقفتنا الشرطة الفرنسية بسبب السرعة. اشتبهوا في أننا تناولنا الكحول. أجبتهم، وبكل ثقة:
“لم نذقها في حياتنا.”
لم يصدقوا. أخرجوا جهازهم، واختبروا زميلي الذي كان يتولى القيادة. أثبت الجهاز صدقي، فاحترمونا كثيرا.

سألناهم عن طريق بروكسل، فأرشدونا. واصلنا السير حتى الفجر. وحين أخبرني زميلي بأنه منهك ويحتاج إلى قسط من الراحة، وافقته فورا. نمنا قليلا، ثم استيقظنا على أشعة الشمس تتسلل إلى الأفق. قريبًا منا، فتح مطعم أبوابه، فدخلناه وسألنا عن الحدود البلجيكية، فأجابونا بكل بساطة:
“أنتم الآن في بلجيكا.”

وأخبرونا أن بروكسل تبعد 70 كلم فقط. انطلقنا مجددًا، لكننا ضللنا الطريق قليلا، وعدنا إليه من جهة أخرى… عبر الحدود الألمانية هذه المرة! فلا حواجز تذكر بينهم، على عكس عالمنا المعروف بالتأشيرات والأسلاك والجنود.

دخلنا بروكسل عند منتصف النهار. وعندما دخلت حيّ “البتوار”، تذكرت ” البوتو البوتو “! أوساخ مبعثرة، أفارقة سمر يتخاصمون على حواف الشوارع، الزحام شديد، والجو مشحون وهنا بدأت أزمة المبيت

دخلنا منزل أحد الموريتانيين، فتذكرت “أبرازفيل” في. التسعينيات. غرفتان صغيرتان، يقطنهما أكثر من عشرين شخصًا! صُدمت من الحال. بعد وجبة الغداء، خرجت مع زميلي نبحث عن مطعم مناسب، فدخلنا “Gare du Midi”، فرأينا فيه مشاهد تُتعيد إلى الذاكرة صور المقاطعة السادسة من نواكشوط: تراكم للأوساخ، وأفارقة يملأون الشوارع.

في نهاية اليوم، بحثت عن فندق، فوجدت فندقا صغيرا يديره مغاربة، يُعرف بـ”فندق ابروكسل” قرب المحطة الدولية، فبتُّ عنده ليلتي. أما زميلي، فقد أصرّ على الرجوع إلى ما يسميه هو “معسكر أبو سياف”.

في صباح اليوم التالي، بدأت أبحث عن مكان أقل تكلفة، فوجدت غرفة عند شاب ظريف، أجرّ لي سريرا، وكنا ثلاثة في الغرفة. قضيت معهم أسبوعا كاملا في تلك العاصمة التي كنا نسمع عنها الكثير… قبل أن نكتشف حقيقتها.

بروكسل، كما يحلو للبعض تسميتها، هي حقا “عاصمة الأوساخ”، أو كما يقول المثل:
“تسمع بالمعيدي خيرٌ من أن تراه.”
سيدي محمد ولد دباد
—————————————-
“سطّرتُ هذه الرحلة في أبريل 2014، وها هي تقف اليوم على عتبة 12 ربيعا من الذكرى، حمدا لله شاهدة على زمن مضى، ونبض لا يزال حيا بين السطور

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى