الأخبارمقالات

الشهادة والأخلاق،أيهما أحق بقيادة الناس؟

يميل كثير من المدونين والمهتمين بالشأن العام إلى المطالبة بإصدار قانون يشترط في المترشح للمناصب الانتخابية أن يكون حاصلا على شهادة جامعية، وهي دعوة تبدو في ظاهرها وجيهة، ولها من المبررات ما يجعلها محل نقاش واحترام. غير أن هذه المقترحات، إذا أُخذت على إطلاقها، قد تحمل في طياتها شيئا من الإقصاء المجحف في حق شريحة واسعة من المواطنين الذين لم تتح لهم فرصة التعليم النظامي، وليسوا بالضرورة أميين أو قليلي المعرفة.

فلبلادنا خصوصيتها العلمية والثقافية؛ فقد عرفت عبر تاريخها رجالا نهلوا من المحاظر، وتربوا في مدارس العلم التقليدية، واكتسبوا من الحكمة والخبرة ما جعلهم مراجع في الدين والفكر والسياسة والاجتماع، دون أن يحملوا شهادات جامعية بالمعنى الحديث.

ولعل المؤسسين الأوائل لهذا الوطن خير شاهد على ذلك؛ فقلَّ من كان يحمل منهم شهادة جامعية معتبرة، ومع ذلك كانوا -بشهادة الجميع- أكثر وطنية، وأصدق إخلاصا، وأغزر عطاء، وأنظف يدا، وأعف لسانا، وأسمى خلقا. لقد صنعوا تاريخا يُذكر، لا بشهاداتهم، وإنما بقيمهم، ونزاهتهم، وحسن تدبيرهم.

إن العبرة، في حقيقة الأمر، ليست في الجانب العلمي وحده، وإنما في الجانب السلوكي والأخلاقي قبل كل شيء. فقد ترى من لا يحمل شهادة جامعية، لكنه يملك رصيدا علميا وثقافيا وخبرة حياتية تفوق أحيانا ما لدى بعض أصحاب الشهادات العليا، ويزيد على ذلك التزاما راسخا بالمسطرة الأخلاقية واحتراما للناس والقانون.

وفي المقابل، قد نجد من يحمل أعلى الشهادات، لكنه يتصف بالغرور، وسوء الخلق، والتعالي على الناس، فلا تنفعه شهاداته في خدمة وطنه أو مجتمعه، مصداقا لقوله تعالى: ﴿كمثل الحمار يحمل أسفارًا﴾.

ومن هنا، فإن الأولى من الاكتفاء بوضع شرط الشهادة الجامعية، هو التفكير في إنشاء هيئة مستقلة تُعنى بالجانب الأخلاقي، يمكن أن تُسمى لجنة الأخلاق، تُسند إليها مهمة دراسة أهلية المترشحين من حيث السلوك، والنزاهة، والاستقامة، واحترام القانون، والسجل الأخلاقي، ثم تُبدي رأيها وفق معايير واضحة وعادلة، بعيدا عن الأهواء والانتماءات الضيقة.

فالأوطان لا تبنيها الشهادات وحدها، وإنما تبنيها الضمائر الحية، والأخلاق الرفيعة، والكفاءة المقرونة بالنزاهة. وإذا اجتمعت الشهادة مع الخلق الكريم، فذلك هو الكمال المنشود، أما إذا تعارضت الأخلاق مع الشهادة، فإن المجتمع لا يجني من تلك الشهادة إلا اسما على ورق، بينما يبقى الخلق هو الرصيد الحقيقي الذي تُبنى به الأمم وتستقيم به الدول.

سيدي محمد ولد دباد

19/07/2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى