الأخبار

الإدارة رهينة إرث المستعمر

لا تزال بعض المجتمعات التي عاشت حقبة الاستعمار تحمل في مؤسساتها آثارا لم تندثر، وكأن الزمن غيّر الوجوه ولم يغيّر الأساليب. ومن أبرز تلك الآثار العلاقة المتوترة بين الإدارة والمواطن، حيث يُستقبل طالب الخدمة في كثير من الأحيان بعين الريبة، ويعامل وكأنه خصم جاء ليقتنص حقا لا يستحقه، بدل أن ينظر إليه على أنه صاحب حق والإدارة وجدت لخدمته.

لقد كان المستعمر ينظر إلى السكان باعتبارهم رعية يجب إخضاعها لا مواطنين يجب احترامهم، فكانت الإدارة أداة للهيمنة أكثر منها وسيلة لتنظيم شؤون الناس. وبعد رحيل الاستعمار بجيوشه وأعلامه، فإن بعض ممارساته بقيت حاضرة في العقليات، فتوارثتها أجيال من الموظفين دون شعور، حتى أصبح التعقيد بديلا عن التيسير، والتشدد عنوانا للهيبة، والابتسامة استثناء لا قاعدة.
والمؤسف أن هذه الذهنية لا تقتصر على مرفق دون آخر، بل قد تظهر في مختلف الإدارات، كلما غاب الوعي بأن الوظيفة العامة تكليف لا تشريف، وأن المسؤولية خدمة لا سلطة. فالمواطن ليس خصما للإدارة، بل هو سبب وجودها، ونجاحها يقاس بقدرتها على حفظ كرامته وتيسير مصالحه، لا بكثرة العراقيل التي تضعها في طريقه.

إن بناء إدارة حديثة لا يتحقق بتشييد المباني أو رقمنة الخدمات فحسب، وإنما يبدأ بتحرير العقل الإداري من رواسب الماضي، وترسيخ ثقافة الاحترام والشفافية والمساءلة، حتى يشعر المواطن أن الإدارة شريك له في التنمية، لا حاجزا بينه وبين حقوقه.

ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن لكل قاعدة استثناءات مشرقة؛ فما زال بين المسؤولين والموظفين من يجعل من حسن الخلق وسرعة الإنجاز واحترام المراجعين منهجا ثابتا، فيقدم نموذجا مشرفا يؤكد أن المشكلة ليست في الإدارة ذاتها، وإنما في العقليات التي تديرها. وهؤلاء هم الأمل في ترسيخ ثقافة إدارية جديدة، قوامها خدمة المواطن وصون كرامته، لتطوى صفحة من موروث الاستعمار، ويفتح عهد تكون فيه الإدارة في خدمة المجتمع، كما ينبغي أن تكون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى