
في زمنٍ أصبحت فيه وسائل التواصل ساحات مفتوحة للجدال، باتت حرية الرأي تعيش امتحانا عسيرا بين عواصف الإفراط وتيارات التفريط. فما إن يبدي المرء قناعة أو يعبّر عن رأي حتى يجد نفسه مصنَّفًا في خانة لم يخترها، ومنسوبا إلى معسكر لم ينتسب إليه، وكأن المسافات الفاصلة بين الآراء قد اختفت، ولم يبق سوى لونين لا ثالث لهما.
لقد كان الاختلاف يوما مصدر ثراء فكري، ووسيلة لتلاقح الأفكار وتكامل الرؤى، أما اليوم فقد تحوّل في كثير من الأحيان إلى مبرر للتخندق والاستقطاب. فالمجتمعات الرقمية تعج بأصوات مرتفعة ترى في كل رأي مخالف تهديدا، وفي كل اجتهاد مستقل خروجا عن الصف. ومن ثم يصبح الإنسان مطالبا بأن يختار موقعا في معركة لم يقرر أصلا دخولها.
والحقيقة أن كثيرا من القضايا لا تختزل في موقفين متقابلين، بل تتسع لدرجات متعددة من الفهم والتقدير. غير أن ضجيج المنصات الحديثة لا يترك مجالا للمنطقة الوسطى، فيدفع الناس دفعا نحو أقصى اليمين أو أقصى اليسار، بينما تضيع الأصوات المعتدلة بينهما.
إن أخطر ما في هذا المناخ أنه يقتل استقلالية التفكير، ويجعل الإنسان يخشى التعبير عن قناعته الحقيقية مخافة التصنيف أو التشويه. وحين يصبح الانتماء إلى معسكر ما أهم من البحث عن الحقيقة، تفقد الأفكار قيمتها، ويتحول الحوار إلى مجرد تبادل للاتهامات.
ولعل الحاجة اليوم أشد ما تكون إلى إحياء ثقافة الإنصاف، والاعتراف بأن الإنسان قد يوافق طرفا في بعض آرائه ويخالفه في أخرى، وأن الاختلاف لا يعني العداء، كما أن الاتفاق لا يقتضي الذوبان الكامل. فالحكمة غالبا ما تسكن المنطقة التي تفصل بين الإفراط والتفريط، حيث يوزن الكلام بميزان العقل، وتحترم القناعات دون مصادرة أو إقصاء.
وفي النهاية، يبقى الرأي الحر قيمة لا تزدهر إلا في بيئة تتسع للتعدد، وتحترم حق الناس في أن يفكروا خارج القوالب الجاهزة، بعيدا عن عواصف الإفراط وتيارات التفريط.
سيدي محمد ولد دباد
17/6/2026




