حكمة التوازن في زمن العواصف

في زمنٍ تتلاطم فيه أمواج الاضطراب في منطقة الساحل، وتتعاقب فيه الأزمات كفصول قاسية لا تهدأ، تبدو موريتانيا وكأنها جزيرةُ تعقّلٍ وسط بحر هائج، تمسك بخيوط توازنها بحكمة نادرة، وتخطو بثباتٍ في طريق محفوف بالتحديات.
لقد جاءت زيارة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إلى باريس لا بوصفها حدثا بروتوكوليا عابرا، بل كحلقة جديدة في مسار دبلوماسيٍّ ناضج، يعكس وعيا عميقا بطبيعة المرحلة، وإدراكا دقيقا لموقع موريتانيا في خريطة التحولات الإقليمية والدولية. ففي الوقت الذي تتراجع فيه التفاهمات، وتضيق فيه مساحات الثقة بين الفاعلين الدوليين، استطاعت موريتانيا أن تحافظ على خيط الحوار، وأن تظل شريكا ينظر إليه باحترام وتقدير.
ولعل ما يمنح هذه الزيارة بعدها الأعمق، هو ما تحمله من رسائل إيجابية على المستويين السياسي والاقتصادي. فمن الناحية السياسية، تؤكد موريتانيا مرة أخرى أنها نموذج للاستقرار في محيطٍ مضطرب، وأنها قادرة على إدارة توازناتها الخارجية دون انزلاق في محاور متصارعة. هذا الاستقرار لم يأتِ صدفة، بل هو ثمرة رؤية هادئة، وسياسة تقوم على التعقل وتغليب المصالح العليا، وهو ما تجسد في أسلوب الرئيس الغزواني، الذي اختار أن يقود بلاده بمنطق التهدئة لا المغامرة، وبحكمة البناء لا الاندفاع.
أما اقتصاديا، فإن الانفتاح المدروس على شركاء دوليين، وفي مقدمتهم فرنسا، يفتح أمام موريتانيا آفاقا واعدة للاستثمار والتعاون. فبلدٌ يتمتع بالاستقرار في منطقة قلّ فيها الاستقرار، يصبح بطبيعة الحال وجهة مفضلة لرؤوس الأموال الباحثة عن بيئة آمنة. ومن هنا، فإن هذه الزيارة لا تُقرأ فقط في بعدها السياسي، بل أيضا كخطوة لتعزيز فرص التنمية، واستثمار الموقع الجغرافي والموارد الطبيعية في بناء اقتصاد أكثر تنوعا وصلابة.
وفي خضم هذا المشهد، تبرز حكمة القيادة كعنصر حاسم. فالرئيس الغزواني لم ينجرّ إلى خطاب التوتر الذي طبع علاقات كثير من دول المنطقة مع شركائها التقليديين، بل اختار طريقا أكثر اتزانا، يقوم على الحوار، واحترام المصالح المتبادلة، والبحث عن نقاط الالتقاء بدل تعميق الخلافات. وهذا النهج، في زمن الاستقطاب، ليس مجرد خيار سياسي، بل هو استراتيجية بقاء ونجاح.
إن موريتانيا اليوم لا تستفيد فقط من استقرارها، بل تُحسن توظيفه. فهي تقدم نفسها كشريك موثوق، وكجسر تواصل في منطقة تحتاج إلى من يجمع لا من يفرق، وإلى من يُهدئ لا من يُصعّد. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن زيارة باريس لم تكن مجرد لقاء بين رئيسين، بل كانت تعبيرا عن موقعٍ جديد لموريتانيا، موقع الدولة التي تعرف وزنها، وتدرك فرصها، وتسير بثقة نحو مستقبل تصنعه بعقلانية وحكمة.
وهكذا، وبين ضجيج الأزمات من حولها، تواصل موريتانيا كتابة قصتها بهدوء؛ قصة دولة اختارت أن تنتصر للاستقرار، وأن تجعل من التعقل منهجا، ومن التوازن قوة، ومن الحكمة طريقا إلى الغد.
سيدي محمد ولد دباد
موريتاني مقيم في فرنسا
19/04/2026




