رجال حملوا المروءة ولم يخونها

في زمنٍ تتسارع فيه التحولات، وتثقل فيه الأعباء على كاهل الأفراد والجماعات، تبقى بعض القيم عصيّة على التلاشي، شامخة كالجذور الراسخة في أعماق الأرض. ومن بين هذه القيم، تبرز المروءة والتكافل والتضحية، التي عُرفت بها الجاليات الموريتانية في إفريقيا، جيلا بعد جيل.
لقد كان الجيل المؤسس لجالياتنا في إفريقيا الوسطى نموذجا نادرا في البذل والعطاء، لا تحكمه حسابات ضيقة، ولا تقيده مصالح آنية. حملوا همّ الغير كما يحملون همّ أنفسهم، فكانوا ملاذا للمحتاج، وسندا للضعيف، ومأوى للغريب.

لم تكن الغربة بالنسبة لهم سببا في الانكفاء، بل دافعا لمزيد من التماسك والتراحم، حتى صارت تلك الجاليات مدارس حيّة في معاني الأخلاق والإنسانية.
ومع تعاقب السنين، وتزايد متطلبات الحياة، ظنّ البعض أن تلك الروح قد تخبو، وأن وهجها قد ينطفئ تحت ضغط الواقع، غير أن الحقيقة جاءت مغايرة لذلك تماما.

فما زالت هناك ثلة مباركة تسير على نهج الأسلاف، تستلهم سيرتهم، وتُحيي قيمهم في واقع جديد لا يخلو من التحديات.
ومن بين هؤلاء، يبرز اسم الرجل الشهم المعطاء -محمدو بنبه ولد محمد المختار ولد السالك- الذي جسّد في مسيرته معاني النبل والوفاء.

فقد شهدت له الجالية في الغابون بصدق العطاء ونبل المواقف، وما شهدت به الغابون يتردد صداه في موريتانيا عند عودته، في صورة إجماع نادر على محبة رجل لم يدّخر جهدا في خدمة الناس، ولم يتأخر عن نجدة محتاج أو مواساة مكروب.
إن الحديث عن هذه النماذج ليس مجرد ثناء عابر، بل هو استدعاء لقيم نحتاجها اليوم أكثر من أي وقت مضى. فالمروءة ليست حكاية تُروى، بل سلوك يُمارس، ومسؤولية تتجدد مع كل جيل.

وإن إحياء ذكرى هذه الخصال إنما هو دعوة صريحة لأن نعيد الاعتبار لما جمع أسلافنا، ونحفظ ذلك الإرث من التآكل.
لقد ترك الجيل الأول مجدا لا يزال صداه حاضرا، وآثاره ممتدة في النفوس قبل الأماكن.

ومن واجبنا أن نكون امتدادا لذلك المجد، لا قطيعة معه، وأن نحمل المشعل بذات الروح التي حملوه بها: روح الإيثار، والصدق، والانتماء.
وهكذا، تظل الجاليات الموريتانية في إفريقيا شاهدا حيّا على أن القيم الكبرى لا تموت، ما دام هناك من يؤمن بها ويجسدها في حياته.

وبين الأمس واليوم، تبقى المروءة هي الرابط الأصدق، والعنوان الأجمل لسيرة شعب عرف كيف يصنع من الغربة وطنا، ومن العطاء مجدالا يزول.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى