بين اعتدال المناخ وفوضى الاستهلاك

مع مطلع هذا اليوم، تدخل أوروبا في التوقيت الصيفي، لا بوصفه مجرد تعديل في عقارب الساعة، بل كإجراء محسوب في سياق عالم مضطرب، تتقاطع فيه الأزمات، من الحرب في أوكرانيا إلى توترات الشرق الأوسط، حيث أصبحت الطاقة عنوان المرحلة، وعصب الحياة اليومية بكل تفاصيلها.
فالتوقيت الصيفي، في ظاهره زيادة في ساعات النهار ونقص في الليل، لكنه في جوهره جزء من منظومة دقيقة لإدارة الاستهلاك؛ إذ يتراجع الاعتماد على الإضاءة والتدفئة، ويتحوّل الطلب إلى أنماط أخرى من الاستخدام. وهم يُحسنون حساب ذلك، ويضبطون إيقاع حياتهم وفق معادلات دقيقة تراعي الظرف وتستجيب له، في انسجام لافت بين السياسات العامة وسلوك الأفراد.
أما نحن، فقد أنعم الله علينا بمناخ يكاد يعتدل فيه ميزان الليل والنهار؛ فلا بردٌ قارس يُرهق، ولا حرٌّ مفرط يُستنزف، ومع ذلك يظل استهلاكنا للطاقة أقرب إلى الفوضى منه إلى التدبير. ولو أحسنّا التنظيم، وجعلنا من الاعتدال منطلقًا للسلوك، لكان استهلاكنا في حدود المعقول، ولتجاوزنا كثيرًا من الضغوط بأقل الخسائر.
إن الأزمة اليوم لم تعد شأنًا بعيدًا، بل واقعًا يتسلّل إلى تفاصيل الحياة، يفرض منطقه على الجميع، ويعيد ترتيب الأولويات. ولم يعد مقبولًا أن نستمر في عادات استهلاكية لا تراعي ظرفًا ولا تُقدّر تبعات. فبين أيدينا فرصة لنرتقي من العشوائية إلى الوعي، ومن الإسراف إلى الاقتصاد.
إن ثقافة الترشيد ليست فضلةً فكرية، بل ضرورة تمليها المرحلة، والتسديد في السلوك ليس تضييقًا على الحياة، بل صيانةٌ لها. وما أحوجنا إلى عقلٍ يزن الأمور بميزان الحكمة، ونفسٍ تتعامل مع المتغيرات بوعي واتزان، حتى نعبر هذه المرحلة بأقل كلفة، وأكبر قدر من السلامة.
فالزمن يتغير، والظروف تتبدل، ولا يثبت في وجه التحولات إلا من أحسن التقدير، وأجاد التدبير. سيدي محمد ولد دباد
29/03/2026



